عثمان بن جني ( ابن جني )

56

سر صناعة الإعراب

وعلى هذا " 1 " وجدت في بعض المصاحف يَسْتَهْزِؤُنَ * بالألف قبل الواو . ووجد فيها أيضا : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " 2 " بالألف بعد الياء . وإنما ذلك لتوكيد التحقيق . وهذه علة في الهمزة كنت قديما ، أنا رأيتها ، ثم غبرت " 3 " زمانا ، فرأيت بعض كلام أبي بكر محمد بن السّريّ - رحمه الله - ، وقد أوردها فيه غير مسندة إلى غيره ، ثم إني رأيتها بعد ذلك في بعض كلام الفرّاء ، فلا أدري : أأصاب أبا بكر مع الفراء ما أصابني أنا من المواردة " 4 " له ، أم هو شيء سمعه ، فحكاه واعتقده ؟ وهي دلالة قاطعة قوية . وفيها دلالة أخرى ، وهي أن كل حرف سميته ففي أول حروف تسميته لفظه بعينه ، ألا ترى أنك إذا قلت : جيم ، فأول حروف الحرف " جيم " . وإذا قلت : دال ، فأول حروف الحرف " دال " ، وإذا قلت حاء ، فأول ما لفظت به حاء ، وكذلك إذا قلت ألف ، فأول الحروف التي نطقت بها همزة . فهذه دلالة أخرى غريبة ، على كون صورة الهمزة مع التحقيق ألفا . فأما المدة التي في نحو : قام وسار وكتاب وحمار ، فصورتها أيضا صورة الهمزة المحققة ، التي في أحمد وإبراهيم وأترجّة " 5 " ، إلا أن هذه الألف لا تكون إلا ساكنة ، فصورتها وصورة الهمزة المتحركة واحدة وإن اختلف مخرجاهما ، كما أن النون الساكنة في نحو : من وعن ، والنون المحرّكة في نحو : نعم ونفر ، تسمى كل واحدة منهما نونا ، وتكتبان شكلا واحدا ، ومخرج الساكنة من الخياشيم " 6 " ، ومخرج المتحركة من

--> ( 1 ) الإشارة بهذا إلى مضمون الكلام السابق ، وهو أنها إذا لم تقع في أول الكلمة يخففها الحجازيون ويحققها غيرهم ، ولذلك توجد في بعض المصاحف محققة ، مكتوبة ألفا على طريقة غير الحجازيين . ( 2 ) يسبح : ينزه مادة " سبح " . اللسان ( 3 / 1914 ) ، ومعنى الآية : أن كل شيء ينزه الله سبحانه وتعالى ، والآية دليل على تحقيق بعض كتاب المصحف للألف في كلمة " شيئا " . ( 3 ) غبرت : مضيت ، مادة ( غبر ) . اللسان ( 5 / 3205 ) . ( 4 ) المواردة : اتفاق الخواطر . مادة ( ورد ) . ( 5 ) أترجة : ثمر ذكي الرائحة . جمعها أترج . مادة ( ت . ر . ج ) . اللسان ( 1 / 425 ) . ( 6 ) الخياشيم : واحدها الخيشوم وهو الأنف . مادة ( خ . ش . م ) اللسان ( 2 / 1168 ) .